نصر حامد أبو زيد

96

الاتجاه العقلي في التفسير

الجدل الديني - إلى فهم النص القرآني نفسه والاستدلال به . وهذا كله ما جعل علي بن أبي طالب ينهى ابن عباس عن مجادلة الخوارج بالقرآن « فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصمهم بالسنّة » 11 . ولكن ابن عباس - فيما يبدو - لم يكن في موقف الاختيار . والذي نودّ أن نشير إليه - إن صحّت الرواية - أن هذا الاحساس المبكر بتعدد الوجوه في التعبير القرآني ينبئ عن تصور ما لا مكانية تعدد الدلالة . وابن عباس هو الذي يتهم الخوارج بقصور الفهم والعجز عن ادراك معاني القرآن فقد « ذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن قال : يؤمنون بمحكمه ، ويهلكون عند متشابهه » 12 . ومما يرويه الطبري عن ابن عباس رواية مؤداها أنه لم يتقبل القراءة المشهورة للآية الكريمة فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ( البقرة / 137 ) على أساس أنها تثبت مثلا للّه يمكن الايمان به « لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا » - فإنه ليس للّه مثل - ولكن قولوا : « فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا » 13 . ومن المحتمل - إن صحّت الرواية - أن ابن عباس كان مدفوعا إلى ذلك رغبة منه في نفي أي شبيه أو مثل للّه ، خصوصا مع ما ذهب إليه ابن سبأ من تأليه الأئمة والقول بالرجعة . ولم يكن الجدل حول القرآن وقفا على الفرق وحدها ، أو على الجدل بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان ، كاليهود والنصارى كما سنشير من بعد . بل توقف كثير من المسلمين عند بعض آيات القرآن متسائلين عن المعنى الحقيقي وراء صورتها اللفظية . فيروي الطبري عن الربيع أنه « لمّا نزلت وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يا رسول اللّه ، هذا الكرسي وسع السماوات والأرض ، فكيف العرش ؟ فأنزل اللّه تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى قوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ 14 . وإذا كان الرسول قد سكت عن تساؤل المتسائلين تاركا للّه - عز وجل - الرد عليهم واستنكار هذا السؤال الذي ينمّ عن جهل بحقيقة الألوهية ، فإن ابن عباس - والجدل قد اشتد واتسع مداه - يفسّر الآية على أن « كرسيه : علمه » 15 وهو تأويل يقرّبنا من جو التأويل الاعتزالي الذي يهدف إلى نفي مشابهة اللّه للبشر أو حلوله في المكان . لم يكن المفسّر القديم إذن بعيدا عن الجدل والصراع الكلامي ، ومن ثم لم يكن استخدامه لوسائله التحليلية للنص القرآني بعيدا عن هذا الجدل . وليست كلمة « المثل » في الآية التي حاول ابن عباس تعديل قراءتها بعيدة عن المصطلح البلاغي الذي كثيرا ما استخدمه لتحليل آيات القرآن ، بل إن ما توهمه من معنى